السياسات والمخاطر

لماذا كشفت الصراعات في الشرق الأوسط عن "فجوة إدارة المخاطر" لدى الجنوب العالمي

من منظور التأمين وتسعير المخاطر، فإن الصراع في الشرق الأوسط ليس مجرد حدث جيوسياسي، بل يذكّر أيضاً الجنوب العالمي بأنه مع تعمّق اندماج سلاسل الإمداد ورأس المال وشبكات الطاقة في النظام العالمي، تصبح القدرة على إدارة المخاطر جزءاً من القدرة التنافسية الإقليمية.

لماذا تكشف الصراعات في الشرق الأوسط عن “فجوة إدارة المخاطر” في الجنوب العالمي

إن السبب الذي يجعل الصراع في الشرق الأوسط يستحق المتابعة المستمرة من قبل باحثي الأسواق الناشئة لا يعود فقط إلى أنه يرفع علاوة المخاطر الأمنية في المنطقة، بل لأنه يذكّر رأس المال العالمي من جديد بأن المخاطر الجيوسياسية تنتقل من كونها متغيرًا هامشيًا إلى أن تصبح في صلب التسعير. وبالنسبة إلى قطاع التأمين، يعني هذا أن الاكتتاب وإعادة التأمين واستهلاك رأس المال وتوقعات التعويضات ستخضع جميعها لإعادة تقييم؛ أما بالنسبة إلى الأسواق الناشئة بالمعنى الأوسع، فهذا يعني أن القدرة على إدارة المخاطر أصبحت تدريجيًا شرطًا مسبقًا لجذب الاستثمار الأجنبي وتطوير البنية التحتية والحفاظ على استمرارية النمو.

ما كشفه هذا الصراع ليس مشكلة تخص منطقة بعينها، بل هو تناقض هيكلي تواجهه عمومًا بلدان الجنوب العالمي: فعديد من الاقتصادات تنغمس بصورة أعمق في التجارة العالمية، ونقل الطاقة، وتقسيم العمل الصناعي، وشبكات الاتصال الرقمية، لكن قدراتها المواكبة في تسعير المخاطر، وانتشار التأمين، وامتصاص الصدمات، وبدائل سلاسل الإمداد لا تزال غير كافية. وبعبارة أخرى، إن سرعة الانفتاح الاقتصادي في الجنوب العالمي غالبًا ما تفوق سرعة بناء قدراته على حوكمة المخاطر.

لم تعد إدارة المخاطر مجرد قضية تخص القطاع المالي

في المنظور التقليدي، يُفهم التأمين أساسًا بوصفه جزءًا من الخدمات المالية؛ لكن في بيئة الأسواق الناشئة الراهنة، أصبح يشبه أكثر فأكثر بنية تحتية. فبالنسبة إلى الموانئ والمصانع ومراكز البيانات وشبكات الكهرباء ومراكز الخدمات اللوجستية والمشروعات العابرة للحدود، لا يعدّ التأمين تكلفةً جانبية، بل هو جزء من قابلية التمويل نفسها. ومع غياب آلية كافية لنقل المخاطر، ترتفع تكلفة تمويل المشروعات، ويصبح رأس المال الخارجي أكثر حذرًا.

ولهذا الأمر دلالة عملية في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا على حد سواء. فالعديد من الاقتصادات تدفع باتجاه توسعة الموانئ، وإنشاء المناطق الصناعية، ونشر الطاقة النظيفة، وتطوير النقل الحضري، وبناء البنية التحتية الرقمية؛ لكن كلما طالت دورة حياة المشروع، ازداد اعتماده على بيئة مستقرة لتسعير المخاطر. وعندما يقع صراع إقليمي، أو تتعطل الملاحة البحرية، أو تهتز سلاسل إمداد الطاقة، فإن أول ما يتعرض للضغط عادةً ليس المؤشرات الكلية، بل تنفيذ العقود، وترتيبات إعادة التأمين، وإعادة تخصيص رأس المال.

منطق النمو في الأسواق الناشئة ينتقل من “الرخص” إلى “إمكانية السيطرة”

خلال العقدين الماضيين، جاءت جاذبية بعض دول الجنوب العالمي من انخفاض تكاليف العمالة، ووفرة الموارد، والعائد الديموغرافي؛ أما في العقد القادم، فسيولي رأس المال اهتمامًا أكبر بـ إمكانية التنبؤ: هل السياسات مستقرة؟ هل يمكن استبدال سلاسل الإمداد؟ هل البنية التحتية موثوقة؟ وهل يمكن تسعير مخاطر الكوارث والصراعات؟

ولهذا السبب أيضًا تؤثر فجوة إدارة المخاطر مباشرةً في القدرة التنافسية للأسواق الناشئة. فحتى لو كان لدى بلد ما سكان شباب، وتوسع حضري سريع، وإمكانات نمو مرتفعة، فإن ضعف سوق التأمين، وعدم كفاية القدرة العامة على الاستجابة للمخاطر، وصعوبة حصول القطاع الخاص على تغطية كافية للمخاطر، كلها عوامل تحدّ من قدرته على جذب الاستثمار الأجنبي. إن انتقال الصناعات العالمية لا يبحث فقط عن المواقع منخفضة التكلفة، بل أيضًا عن المواقع منخفضة احتمالية التعطل.

بالنسبة إلى الدول الآسيوية الجنوبية الشرقية التي تستوعب امتداد سلاسل الصناعة، فإن هذه النقطة مهمة على نحو خاص.بالنسبة للدول الآسيوية الجنوبية الشرقية التي تستقبل انتقال الامتدادات الصناعية خارج السلاسل الإنتاجية، تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة. فعند استيعاب سلاسل تصنيع وإلكترونيات، لم تعد اقتصادات مثل فيتنام وإندونيسيا وماليزيا وتايلاند تحتاج فقط إلى إثبات مزاياها الضريبية وقوة العمالة وموانئها، بل باتت مطالبة بصورة متزايدة بإثبات قدرتها على تحمّل المخاطر السياسية والكوارث الطبيعية واضطرابات اللوجستيات وتقلبات الطاقة. وينطبق المنطق نفسه على المراكز الصناعية الناشئة في أفريقيا: فإذا لم يترافق توسع البنية التحتية مع إنشاء آليات موازية لتخفيف المخاطر، فإن النمو سيظل محصوراً على مستوى المشاريع، ويصعب أن يترسخ في شكل ارتفاع طويل الأمد في الإنتاجية.

العائد الديموغرافي لا يتحول تلقائياً إلى عائد للنمو

من أكثر ما يُغفل في سرديات نمو الجنوب العالمي أن البنية السكانية بحد ذاتها لا تضمن النتيجة. فكثرة الشباب، وتسارع التحضر، واتساع الأسواق الاستهلاكية، لا تعني أن الاقتصاد قادر على الارتقاء تلقائياً. وإذا غابت إدارة المخاطر والتعليم وسهولة الوصول إلى التمويل والاستقرار المؤسسي، فقد تُقابل هذه المزايا السكانية ببطالة مرتفعة، وضعف الحماية، وهشاشة شديدة.

ويبرز نقص التأمين بشكل خاص في مثل هذا السياق. فكلما تسارع التحضر، تركزت الأصول أكثر، وزادت احتمالات انتشار الصدمة في وقت قصير؛ وكلما تركزت البنية التحتية أكثر، تعاظم الأثر النظامي لأي تعطل في نقطة واحدة؛ وكلما تطورت الاقتصاديات الرقمية أكثر، ارتفعت أيضاً كلفة انقطاع الشبكات، وانقطاع الطاقة، وتعثر المدفوعات عبر الحدود. وبالنسبة إلى الاقتصادات سريعة النمو السكاني، فإن إدارة المخاطر ليست مسألة يمكن تأجيلها إلى ما بعد النضج، بل هي شرط مبكر يحدد القدرة على تحويل العائد الديموغرافي إلى عائد إنتاجية.

الطاقة والشحن ورأس المال: الشرق الأوسط لا يزال أحد مراكز التسعير العالمية

إن السبب في أن التأثيرات الممتدة للصراع في الشرق الأوسط تُحتسب سريعاً في الأسواق العالمية يعود إلى أن المنطقة لا تزال تحتل موقعاً محورياً في دورات الطاقة والشحن ورأس المال. وتعتمد كثير من اقتصادات الجنوب العالمي بدرجات متفاوتة على الطاقة المستوردة، وممرات الشحن البحري، وشروط التمويل بالدولار؛ ولذلك تنتقل التوترات الإقليمية إلى الأسواق الناشئة الأوسع عبر تكاليف الشحن، ومعدلات التأمين، واستراتيجيات المخزون، وشروط التمويل.

وهذا يوضح حقيقة أساسية: الجنوب العالمي ليس متلقياً سلبياً معزولاً عن المخاطر الجيوسياسية، بل هو حامل مباشر للصدمات العالمية. سواء تعلق الأمر بتصدير رؤوس الأموال من دول الخليج، أو باستيراد الطاقة وتصدير التصنيع في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، فإنها جميعاً تقع داخل المنظومة نفسها لنقل المخاطر الدولية. وبالنسبة للمستثمرين الدوليين، لم يعد السؤال: "هل سيتأثرون؟" بل: "عبر أي حلقة سيظهر التأثير؟"

ستركز الاستثمارات الأجنبية أكثر على المرونة لا على سرعة النمو فقط

ستعطي خطط الاستثمار الأجنبي المقبلة وزناً أكبر للتوزيع الإقليمي وتنويع المخاطر. فبالنسبة إلى الصناديق السيادية، ورأس المال الخاص، ومستثمري البنية التحتية، وشركات إعادة التأمين، سيزداد الاهتمام بمدى امتلاك الدولة القدرات التالية:

  • الحفاظ على قنوات التجارة في ظل النزاع أو العقوبات أو اضطرابات الشحن
  • توفير دعم تأميني وإعادة تأميني كافٍ للأصول الحيوية
  • إنشاء طبقات متعددة من الحماية ضد المخاطر الكارثية والسياسية والتشغيلية
  • تقليص التعرض لسوق واحدة عبر التعاون الإقليمي
  • جعل البنية التحتية الرقمية واللوجستية والطاقة قادرة على الاستمرار

هذا يعني أن المنافسة بين الأسواق الناشئة ستصبح أكثر فأكثر أشبه بـ«منافسة على الصمود». ولا يزال معدل النمو مهمًا، لكن الأهم هو ما إذا كان هذا النمو مستدامًا، وما إذا كانت الأصول قابلة للتأمين، والمشروعات قابلة للتمويل، وسلاسل الإمداد قابلة للتحويل. وبالنسبة إلى الجنوب العالمي، فإن هذا سيعيد تشكيل طريقة توزيع الاستثمار الأجنبي المباشر: فلن يغادر رأس المال الأسواق عالية النمو بالكامل، لكنه سيميّز بدرجة أكبر بين «النمو السريع» و«القابلية للاستثمار».

فجوة التأمين هي في جوهرها أيضًا فجوة في نموذج التنمية

على المدى الأطول، فإن ما يُسمّى «فجوة إدارة المخاطر» ليس مجرد نقص في الفرص التجارية لصناعة التأمين، بل يعكس أيضًا قصورًا مؤسسيًا في نموذج التنمية. فإذا كان الاقتصاد يعتمد طويلًا على دعم الحكومة، أو حماية الأسر لأنفسها، أو الإعانات المالية اللاحقة من الدولة، من دون وجود نظام ناضج لتحويل المخاطر وتسعيرها، فإنه سيكون أكثر عرضة لتحويل المخاطر الجزئية إلى تقلبات كلية عند التعرض للصدمات الخارجية.

وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى الجنوب العالمي. ففي العقود القادمة، ستواصل اقتصادات أفريقيا وجنوب آسيا وبعض اقتصادات جنوب شرق آسيا تحمل ضغوط متعددة تتمثل في التحضر، والصدمات المناخية، وتوسع البنية التحتية، واستيعاب العمالة. وفي الوقت نفسه، تواصل سلاسل الصناعة العالمية إعادة التشكل، وتطالب الشركات بصورة متزايدة ببيئة تشغيل «منخفضة الاحتكاك، منخفضة التعطل، ومستدامة». وإذا تأخر حوكمة المخاطر عن اللحاق بهذا التطور، فإن مجرد النمو السكاني والتوسع الحضري لن يقودا تلقائيًا إلى نمو عالي الجودة.

الخاتمة: منافسة الجنوب العالمي تدخل عصر «الصمود»

تذكّرنا الصراعات في الشرق الأوسط بأن هشاشة الاقتصاد العالمي لم تختفِ، بل انتقلت من النظام المالي إلى الطاقة والشحن والتأمين وإدارة سلاسل الإمداد. وبالنسبة إلى الأسواق الناشئة، فإن المعنى العميق لهذا التحول هو أن المنافسة المستقبلية لن تقتصر على جذب المصانع والموانئ ورأس المال، بل ستصبح أيضًا منافسة على القدرة على إدارة عدم اليقين.

وبالنسبة إلى الجنوب العالمي، فإن ما سيحدد فعليًا سقف النمو طويل الأجل قد لا يكون فقط حجم السكان أو وفرة الموارد، بل القدرة على بناء منظومة ناضجة بما يكفي لتسعير المخاطر، والتعاون عبر الحدود، وتعزيز صمود البنية التحتية. ومن ينجح في سد هذه الفجوة مبكرًا سيكون الأرجح أن يحصل على تدفقات رأسمالية أعلى جودة، وعلى احتضان صناعي أكبر، مع انتقال مركز النمو العالمي في الجولة المقبلة.

ملاحظة مصادر محلية · emergingpost

تضع emergingpost هذه الملاحظة ضمن الأسواق الناشئة / الاستثمار والاستثمار الأجنبي المباشر / السياسات والمخاطر (الأسواق الناشئة / الاستثمار والاستثمار الأجنبي المباشر / السياسات والمخاطر يوضح الزاوية التحريرية المحلية). ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.

روابط المصادر

  1. https://www.insurancetimes.co.uk/analysis/in-focus-middle-east-conflict-reveals-huge-risk-management-gap/1458585.articleأساسي

مقالات ذات صلة

العودة إلى القناة