الأسواق الناشئة

في ظل صدمة الطاقة، لماذا انتقلت شركات الأسواق الناشئة من التوسع إلى الانضباط الربحي؟

في ظل تزامن تقلبات أسعار الطاقة والمخاطر الجيوسياسية وإعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي، تتحول استراتيجية الشركات من التوسع في الحجم إلى الربحية والكفاءة ومرونة رأس المال. وتُظهر دراسة استقصائية لمديري الشركات التنفيذيين في سنغافورة أن هذا التحول ليس مجرد مسألة إدارة أعمال، بل يعكس أيضًا دخول أنماط النمو في دول الجنوب العالمي والاقتصادات الآسيوية الناشئة مرحلة جديدة.

لماذا تتحول شركات الأسواق الناشئة من التوسع إلى الانضباط الربحي في ظل صدمة الطاقة

في خضم إعادة تسعير المخاطر في الاقتصاد العالمي، تشهد الاستراتيجية المؤسسية تحوّلًا يبدو هادئًا في ظاهره، لكنه عميق في جوهره: لم يعد النمو يعني فقط التوسع في الحجم، بل أصبح يعني بشكل متزايد التدفق النقدي والكفاءة والتخصيص المستدام لرأس المال. وتقدّم أحدث استطلاعات الرؤساء التنفيذيين من EY إشارة واضحة — ففي سنغافورة، وضع 88% من الرؤساء التنفيذيين المشاركين النمو الطويل الأجل والربحية فوق التوسع السريع؛ وعلى الصعيد العالمي، بلغت هذه النسبة 82%.

هذا ليس مجرد تغيّر في تفضيلات الإدارة في سوق بعينه، بل هو تجسيد لمرحلة جديدة تدخلها الأسواق الناشئة. ففي السنوات العشر الماضية، اعتمد منطق نمو الشركات في كثير من اقتصادات آسيا والجنوب العالمي على ثلاثة أمور: تمويل أرخص، وبيئة تجارة عالمية أكثر استقرارًا، واستمرار توسع الطلب الخارجي والطلب المحلي. لكن مع تزامن ارتفاع صدمات أسعار الطاقة والمخاطر الجيوسياسية والتعقيد التنظيمي، بدأت الطريق القديمة القائلة: «التوسع أولًا، ثم التحسين» تفقد فعاليتها. وبدأت الشركات تولي أهمية أكبر لهوامش الربح والعائد على رأس المال ومرونة التنظيم، بدلًا من التركيز على حجم الإيرادات وحده.

صدمة الطاقة تعيد تشكيل نموذج نمو الشركات

تُظهر الاستطلاعات أن ما يقرب من نصف المشاركين في سنغافورة يرون أن استمرار صدمات أسعار الطاقة سيجلب ضغوطًا تشغيلية ومالية كبيرة؛ وفي العينة العالمية، يحمل 46% الرأي نفسه. وبالنسبة للاقتصادات التي تعتمد بدرجة عالية على الكهرباء واللوجستيات ومراكز البيانات والتصنيع الداعم والخدمات العابرة للحدود، لم تعد الطاقة مجرد بند تكلفة، بل أصبحت متغيرًا حاسمًا يحدد وتيرة الاستثمار وتوزيع الطاقة الإنتاجية والقدرة التنافسية الإقليمية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في الأسواق الناشئة. فمقارنة بالأسواق المتقدمة، لا تزال كثير من اقتصادات الجنوب العالمي في مرحلة توسع البنية التحتية، ما يعني أن استقرار إمدادات الطاقة وآليات تمرير الأسعار ومرونة شبكات الكهرباء تؤثر مباشرة في سرعة التصنيع وجودة التحضر. وكلما تكررت صدمات الطاقة، ازداد ميل الشركات إلى تأجيل المشاريع كثيفة الإنفاق الرأسمالي، والانتقال إلى نماذج أعمال أخف أصولًا وأعلى دورانًا؛ كما تصبح الحكومات أكثر حاجة إلى تسريع الاستثمار في الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع والتخزين وربط الطاقة المتجددة بالشبكة، وإلا فإن النمو الكلي والربحية الجزئية سيتعرضان معًا للضغط.

من «سردية التوسع» إلى «انضباط رأس المال»

من السمات البارزة لدى الرؤساء التنفيذيين المشاركين في سنغافورة، الإعطاء أهمية كبيرة للمرونة المالية. فالشركات تعيد توجيه الموارد نحو كفاءة التشغيل ورفع الإنتاجية وتحسين تخصيص رأس المال، بدلًا من السعي الأعمى وراء الحصة السوقية في ظل ارتفاع درجة عدم اليقين. ولا يعني هذا التغيير انخفاض الرغبة في النمو، بل يعني إعادة تعريف جودة النمو.

وفي سياق الجنوب العالمي، يقترب هذا التحول من نضج هيكلي. فقد اعتمدت كثير من الاقتصادات سريعة النمو في السابق على عوائد الديموغرافيا، والتحضر، وانتقال الصناعات التحويلية المرتبطة بالاستثمار الأجنبي. لكن مع ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة الاحتكاكات الجيوسياسية وتباين الطلب العالمي، أصبحت أسواق رأس المال أكثر تشددًا في متطلباتها تجاه الشركات. ويولي المستثمرون اهتمامًا متزايدًا للتحويل النقدي، وعائد الأصول، والقدرة التنفيذية التنظيمية. وبالنسبة للشركات، لم يعد التوسع في الحجم يعني تلقائيًا خلق القيمة؛ بل إن القدرة على اجتياز الدورات الاقتصادية، والحفاظ على قوة التسعير، وإدارة هيكل التكاليف، أصبحت هي عتبة المنافسة الجديدة.

هذه الاتجاهات تفسر أيضًا لماذا استعادت عمليات الاندماج والاستحواذ، والتخارج، والتحالفات الاستراتيجية زخمها.يُفسِّر هذا الاتجاه أيضًا لماذا عادت عمليات الاندماج والاستحواذ والتخارج والتحالفات الاستراتيجية إلى النشاط من جديد. وتُظهر الاستطلاعات أن 59% من المشاركين في سنغافورة يسعون إلى الحصول على قدرات تقنية أو في مجال الذكاء الاصطناعي عبر الاستحواذ على أصول أو بيعها؛ و70% يواصلون الدفع باتجاه التحالفات الاستراتيجية، و63% يتوقعون تنفيذ عمليات اندماج واستحواذ، و53% يفكرون في إنشاء مشاريع مشتركة. وبعبارة أخرى، لم تعد الشركات تحقق النمو عبر “التوسع الداخلي” فقط، بل باتت تستخدم العمليات الرأسمالية لسد الثغرات في التكنولوجيا والأسواق وسلاسل الإمداد.

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة للكفاءة، بل محفز لإعادة هيكلة الشركات

أصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المتغيرات الهيكلية التي تستحق الاهتمام في هذه الدراسة. 68% من الرؤساء التنفيذيين المشاركين في سنغافورة يخططون لزيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في عام 2026. والأهم من ذلك أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تابعة لقسم تقنية المعلومات، بل أصبح جزءًا من صنع القرار المؤسسي، وخلق قيمة العملاء، وإدارة المخاطر، وعمليات الابتكار.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الشركات لم تعد تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لخفض التكاليف فحسب، بل كالبنية التحتية لإعادة تصميم التنظيم. وقد أفاد 45% من المشاركين في سنغافورة بأن الذكاء الاصطناعي أثّر بالفعل في خلق قيمة العملاء وصياغة الاستراتيجية؛ وفي الوقت نفسه، تعيد الشركات تعريف الأدوار الوظيفية، إذ ذكر 50% أنهم يعيدون هيكلة الوظائف لدمج قدرات الإنسان والذكاء الاصطناعي، بينما يتوقع 43% تنفيذ عمليات إعادة تدريب واسعة النطاق ورفع المهارات. ولم يتوقع سوى 18% أن يؤدي الذكاء الاصطناعي مباشرة إلى تسريح العمال.

وهذه النقطة وثيقة الصلة للغاية بواقع كثير من اقتصادات الجنوب العالمي. فبالنسبة للدول الشابة ديموغرافيًا والمتسارعة التحضر، فإن الندرة الحقيقية ليست في إجمالي قوة العمل، بل في الكفاءات القادرة على الارتقاء داخل سلاسل القيمة الصناعية. وما يجلبه الذكاء الاصطناعي ليس “الإحلال” البسيط، بل إعادة ترتيب هيكل المهارات: فالموظفون الأكثر طلبًا في المستقبل سيكونون غالبًا أولئك الذين يفهمون عمليات القطاع ويعرفون أيضًا كيف يديرون أنظمة الذكاء الاصطناعي. وبالنسبة لصناع السياسات، فهذا يعني أيضًا أن نظم التعليم والتدريب المهني وسوق العمل يجب أن تتكيف بالتوازي، وإلا فإن انتشار التكنولوجيا سيؤدي إلى انقسامات هيكلية جديدة.

التجزؤ التنظيمي يرفع تكاليف الامتثال في الأسواق الناشئة

في الوقت الذي يجلب فيه الذكاء الاصطناعي الكفاءة، فإنه يجلب أيضًا احتكاكات مؤسسية جديدة. وتُظهر الدراسة أن 27% من المشاركين في سنغافورة يرون أن أطر تنظيم الذكاء الاصطناعي تزيد من تعقيد الامتثال والتشغيل، بينما يرى 38% أن التجزؤ التنظيمي وتغير القواعد باستمرار يعيقان التطبيق واسع النطاق.

وهذا في الواقع أحد التناقضات الأساسية في التحول الصناعي العالمي الحالي: سرعة انتشار التكنولوجيا تفوق بكثير سرعة التنسيق التنظيمي. وبالنسبة للشركات متعددة الجنسيات ومواقع المقرات الإقليمية، فإن عدم اتساق القواعد يرفع تكاليف الامتثال ويؤثر في حوكمة البيانات ونشر النماذج وتوسع الأعمال عبر الحدود. أما بالنسبة للأسواق الناشئة، فإذا لم تتمكن من إيجاد توازن بين تحفيز الابتكار واليقين التنظيمي، فقد تخسر جزءًا من جاذبيتها لرأس المال والمواهب في عصر الذكاء الاصطناعي.

لكن من زاوية أخرى، فإن القدرة التنظيمية نفسها تتحول إلى نوع من التنافسية. فاقتصادات قادرة على توفير أطر مؤسسية واضحة ومستقرة وقابلة للتنبؤ تكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية، والمقرات الإقليمية، وموارد البحث والتطوير. ولا تزال جاذبية سنغافورة في هذا البعد تتجلى في أن المشاركين فيها يعتبرون الاقتصاد المحلي أقوى مصدر للنمو ويضعونه كوجهة الاستثمار الأولى.

تدفقات رأس المال تتحول من “التوسع الجغرافي” إلى “تجميع القدرات”أظهر الاستطلاع أن أبرز وجهات الاستثمار التي يفضلها المستجيبون المحليون في سنغافورة تشمل، بالترتيب: السوق المحلية، والصين، وماليزيا، وسويسرا، وكوريا الجنوبية. ويشير هذا الترتيب إلى أن منطق تخصيص رأس المال يتحول من مجرد نقل الأنشطة إلى الخارج بحثًا عن التكاليف المنخفضة، إلى ترتيبٍ قائم على مزيج من التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والأسواق والاستقرار المؤسسي.

وفي سياق أوسع لآسيا والجنوب العالمي، بات رأس المال يميل بشكل متزايد إلى الاقتصادات القادرة على توفير ثلاث قدرات:

1. قدرة التنسيق الصناعي: أي القدرة على الاندماج في شبكات التصنيع واللوجستيات والخدمات؛ 2. قابلية التنبؤ المؤسسي: استقرار تنظيمي واستمرارية في السياسات؛ 3. قدرة استيعاب التكنولوجيا: أي إمكانية دمج الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية والأتمتة بسرعة داخل عمليات الشركات.

ولهذا السبب أيضًا يحدث تحول في توزع رأس المال العالمي. فالشركات والمستثمرون لا يطاردون دائمًا أعلى معدلات النمو، بل يطاردون «النمو القابل للتحقق». ففي عصر تتكرر فيه الصدمات الخارجية، لا تكمن أهمية النمو في حجم السوق فحسب، بل أيضًا في القدرة على تحويل هذا النمو إلى أرباح، وإيرادات ضريبية، ووظائف، واستثمارات معاد تدويرها.

وبالنسبة للجنوب العالمي، يبقى التحدي الحقيقي في جودة النمو

في السابق، كانت النقاشات حول الجنوب العالمي تركز غالبًا على «الصعود» بحد ذاته: كثافة سكانية كبيرة، وتسارع التحضر، وقوة الطلب المحلي، وإمكانات رقمية ضخمة. لكن السؤال الأهم اليوم هو: هل يستطيع هذا النمو أن يصمد أمام قيود الطاقة، وتقلبات رأس المال، وضغوط الارتقاء الصناعي؟

يوفر استطلاع سنغافورة للرؤساء التنفيذيين حكمًا يستحق التوسيع: عندما تبدأ الشركات بوضع الأرباح والكفاءة والتكامل التكنولوجي والانضباط الرأسمالي قبل التوسع، فهذا يعني أن الدورة الاقتصادية قد دخلت مرحلة أكثر نضجًا وأكثر صرامة. وبالنسبة لعدد كبير من الأسواق الناشئة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، فإن هذا يمثل ضغطًا وفرصة في آن واحد.

فالضغط يكمن في أن الطاقة والمواهب والقدرات التنظيمية ستصبح عنق الزجاجة الجديد؛ أما الفرصة فتتمثل في أن من ينجح أولًا في بناء بنية تحتية أكثر متانة، وتنظيم صناعي أكثر كفاءة، وقدرات رقمية أكثر قابلية للتكرار، سيكون الأقدر على الحصول على موقع أطول أمدًا في ظل انتقال مراكز النمو العالمي.

ومن هذا المنظور، لا تكشف دراسة EY فقط عن تغير في مزاج الشركات، بل عن إعادة ترتيب في منطق رأس المال العالمي والنمو. فالمنافسة المقبلة في الأسواق الناشئة لن تُحسم في جداول نمو الناتج المحلي الإجمالي وحدها، بل في البنى العميقة لأنظمة الطاقة، وقدرات الذكاء الاصطناعي، وحوكمة الشركات، والتعاون الصناعي الإقليمي.

خاتمة

لم ينتهِ عصر التوسع، لكنه لم يعد الإجابة الوحيدة. وبالنسبة لشركات الأسواق الناشئة، فإن ما سيحدد حقًا جودة الجولة التالية من النمو ليس «هل يمكن التوسع؟»، بل «هل يمكن الحفاظ على الربحية تحت الصدمات، والاستثمار في ظل عدم اليقين، والحفاظ على قدرة المنظمة على التكيف في خضم التحول التكنولوجي؟».

هذه هي بالضبط القضية المشتركة التي تواجهها اقتصادات الجنوب العالمي: الانتقال من عائد السكان إلى عائد الإنتاجية، ومن نمو الحجم إلى نمو القدرة، ومن اللحاق الخارجي إلى إعادة البناء الهيكلي.

ملاحظة مصادر محلية · emergingpost

تضع emergingpost هذه الملاحظة ضمن الأسواق الناشئة / الاستثمار والاستثمار الأجنبي المباشر / السياسات والمخاطر (الأسواق الناشئة / الاستثمار والاستثمار الأجنبي المباشر / السياسات والمخاطر يوضح الزاوية التحريرية المحلية). ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.

روابط المصادر

  1. https://asianbusinessreview.com/news/ceos-pivot-expansion-profit-amidst-energy-shocks-ey-saysأساسي

مقالات ذات صلة

العودة إلى القناة