الاستثمار والاستثمار الأجنبي المباشر

ما وراء انتعاش الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا بنسبة 14%: تركّز رأس المال في الاقتصادات المتقدمة، بينما يواجه الجنوب العالمي تهميشًا هيكليًا.

تشير بيانات الأونكتاد إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي نما بنسبة 14% في عام 2025 ليصل إلى 1.6 تريليون دولار، لكن النمو تركز بشكل كبير في الاقتصادات المتقدمة والمراكز المالية، بينما انخفض في الاقتصادات النامية بدلاً من أن يرتفع. تحلل هذه المقالة من منظور الأسواق الناشئة التباين الهيكلي في تدفقات رأس المال وتأثيره على النمو طويل الأجل في الجنوب العالمي.

التفاوت الحقيقي في سردية «انتعاش» الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي

افتتح مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في 20 يناير/كانون الثاني العدد الخمسين من تقريره «رصد اتجاهات الاستثمار العالمية» نقاش الاستثمار العالمي لعام 2026 بمجموعة من البيانات الأولية التي تبدو متفائلة: بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي في عام 2025 نحو 1.6 تريليون دولار، بزيادة سنوية قدرها 14%، منهياً بذلك عامين متتاليين من الانخفاض. غير أن أي خلاصة تفسّر هذا الرقم ببساطة على أنه «عودة النشاط لرأس المال العالمي» قد تخفي تغييرات هيكلية أكثر تعقيداً — فمصادر النمو واتجاهاته ونوعيته يعيدون تعريف إحداثيات التنمية في الأسواق الناشئة.

«التدفقات العابرة» عبر المراكز المالية تُخفي ضعف الاستثمار الحقيقي

يشير التقرير بوضوح إلى أن أكثر من 140 مليار دولار من نمو الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2025 جاءت من التدفقات العابرة (conduit flows) عبر المراكز المالية العالمية. هذه الأموال غالباً ما تمر عبر ولايات قضائية محددة لأغراض التوزيع المالي، ولا تمثل استثماراً إنتاجياً فعلياً. وبعد استبعاد هذا الجزء، لا يتجاوز معدل النمو الفعلي للاستثمار الأجنبي المباشر العالمي حوالي 5%، مما يعكس استمرار ضعف ثقة المستثمرين. وبالنسبة لدول الجنوب العالمي التي تعتمد على الاستثمار الحقيقي لدفع عجلة التوظيف ونقل التكنولوجيا، فإن هذا يعني أن الفجوة بين «الازدهار الدفتري» و«الاستثمار الحقيقي» أعمق بكثير مما تظهره الأرقام السطحية.

على مدى العامين الماضيين، واصلت التقلبات الاقتصادية الكلية والتوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين في السياسات كبح التزامات رأس المال طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسيات. إن الطفرة في تدفقات المراكز المالية هي في الأساس إعادة ترتيب لرأس المال العالمي داخل سلاسل الوساطة، وليست رهاناً مباشراً على الأصول الإنتاجية. وعندما تزداد تدفقات رأس المال اعتماداً على «الأنابيب» بدلاً من «المصانع»، فإن القدرة التنافسية التقليدية للأسواق الناشئة في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر — حجم السوق، وتكلفة العمالة، والمزايا الطبيعية — تُستبدل بمنطق آخر: المراجحة المؤسسية وتقلبات أسعار الأصول.

عالم ثنائي المسار بين الاقتصادات المتقدمة والجنوب العالمي

يشهد توزيع الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2025 نمطاً واضحاً من «المسارين». فقد ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصادات المتقدمة بنسبة 43% ليصل إلى 728 مليار دولار، وقفز في الاتحاد الأوروبي بنسبة 56%. وعادت الاقتصادات الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا إلى دائرة اهتمام المستثمرين الأجانب، مدعومة بعمليات الاندماج والاستحواذ العابر للحدود وصفقات إعادة الهيكلة واسعة النطاق. وعلى الطرف الآخر، انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصادات النامية بنسبة 2% ليصل إلى 877 مليار دولار. والأكثر إثارة للقلق أن حوالي ثلاثة أرباع أقل البلدان نمواً (LDCs) شهدت ركوداً أو تراجعاً في الاستثمار الأجنبي المباشر، في استمرار لتراجع اهتمام رأس المال الدولي بهذه الاقتصادات الهشة.

هذا التفاوت ليس ظاهرة دورية قصيرة الأجل، بل تجسيد لتطور بنيوي طويل الأمد في هيكل الاستثمار العالمي. فالاقتصادات المتقدمة، بفضل أسواقها المالية العميقة وبنيتها التحتية الرقمية المتطورة وبيئاتها المؤسسية المستقرة، أصبحت «مركز جاذبية» لتدفقات رأس المال العالمي. وفي الوقت نفسه، فإن اتجاهات «القرب» و«الأصدقاء» في سلاسل التوريد العالمية تدفع الشركات متعددة الجنسيات إلى تفضيل توطين مراحل الإنتاج داخل التحالفات السياسية والاقتصادية، بدلاً من اختيار الاستعانة بمصادر خارجية بعيدة المدى بناءً على المزايا النسبية التقليدية. وهذا يضعف بشكل مباشر فرص جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا وأجزاء من أفريقيا في استقبال نقل التصنيع إليها.على الرغم من أن الهند وتايلاند وماليزيا والبرازيل وغيرها من الاقتصادات الناشئة لا تزال تحصل على مشاريع كبرى في قطاعات معينة، فإن حصة "الجنوب العالمي" من الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي آخذة في الانكماش بشكل عام. وتشير بيانات الأونكتاد إلى أن نمو الاستثمار لا يتركز جغرافيًا فحسب، بل يتركز أيضًا في عدد قليل من الصناعات كثيفة رأس المال والتقنية، مما يزيد من تضييق مساحة مشاركة الاقتصادات النامية في تقسيم العمل داخل سلاسل القيمة العالمية.

مراكز البيانات وأشباه الموصلات: تجسيد لمنطق تركيز رأس المال الجديد

في عام 2025، اجتذبت مراكز البيانات أكثر من خمس قيمة مشاريع الاستثمار الأخضر العالمية، بإجمالي استثمارات معلنة تجاوز 270 مليار دولار، مدفوعة بالطلب القوي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والشبكات الرقمية. وكانت فرنسا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية من بين الدول المضيفة الرئيسية، كما نجحت البرازيل والهند وتايلاند وماليزيا في جذب بعض المشاريع الكبيرة. وترافق ذلك مع نمو بنسبة 35% في قيمة مشاريع أشباه الموصلات.

من المؤكد أن هذه الاستثمارات كثيفة رأس المال قادرة على رفع إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في الأمد القصير، لكن «آثارها غير المباشرة» على اقتصادات الدول المضيفة محدودة للغاية. فمراكز البيانات تتطلب عادة كميات كبيرة من الكهرباء والأراضي والاتصال الرقمي، لكنها تخلق عددًا محدودًا من فرص العمل المباشرة، وارتباطها بتدريب المهارات المحلية وأنظمة الابتكار ليس وثيقًا. وإذا ركزت السياسات فقط على «اقتناص المشاريع» وأهملت النظام البيئي المساند، فقد تقع الأسواق الناشئة في مأزق يتمثل في «استثمار مرتفع وتمكين منخفض»، حيث تبقى الأصول محليًا بينما تظل القيمة المضافة والوظائف عالية المستوى في أيدي رأس المال العابر للحدود.

والأكثر إثارة للانتباه أن عدد المشاريع المعلنة حديثًا في القطاعات التي تشهد مخاطر جمركية مرتفعة، مثل المنسوجات والمنتجات الإلكترونية والآلات والمعدات، انخفض بنسبة 25%. وهذا يعني أن إعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية ليست «إعادة توزيع» عادلة للجميع، بل نقلًا انتقائيًا نحو عدد قليل من الصناعات المحمية بسياسات معينة. وبالنسبة لدول الجنوب العالمي التي لا تزال تعتمد على التصنيع التقليدي كركيزة أساسية لصادراتها، فإن هذا الاتجاه الاستثماري الانتقائي قد يؤدي إلى زيادة تثبيتها في الأطراف الدنيا لسلسلة القيمة.

ضعف الاستثمار في البنية التحتية والطاقة المتجددة: إشارة تحذيرية لتمويل التنمية

إذا كانت مراكز البيانات وأشباه الموصلات تمثل رأس المال الذي «يلاحق المستقبل»، فإن مشاريع البنية التحتية الدولية تظهر «تجنب المخاطر». ففي عام 2025، انخفض حجم مشاريع البنية التحتية الدولية بنسبة 10%، وكان الانخفاض أشد وطأة في مجال الطاقة المتجددة. وأدى إعادة تقييم المستثمرين لمخاطر الإيرادات وعدم اليقين التنظيمي إلى تراجع ملحوظ في حماس رأس المال العابر للحدود لمشاريع الطاقة الخضراء. وعلى الرغم من الانتعاش القوي في مشاريع البنية التحتية التي تقودها الجهات المحلية، فإن هذا يكشف بالضبط المأزق الذي تواجهه الاقتصادات الناشئة الكبيرة التي تعتمد على التمويل الدولي: عندما ينكمش رأس المال العالمي، هل تستطيع المالية العامة المحلية سد الفجوة؟

بالنسبة للعديد من البلدان منخفضة الدخل في أفريقيا وآسيا، لا تمثل الطاقة المتجددة والبنية التحتية مجرد محركات للنمو، بل هي شروط ضرورية للتكيف المناخي والانتقال الطاقي. وسيُجبر انسحاب الاستثمار الدولي هذه البلدان على الاعتماد بشكل أكبر على القروض الثنائية وترتيبات التمويل المجزأة، مما يزيد من مخاطر الديون. ويذكّرنا تقرير الأونكتاد بأنه في غياب إجراءات منسقة، قد يتركز الاستثمار العالمي بشكل أكبر في مناطق وقطاعات قليلة، ويبتعد أكثر فأكثر عن احتياجات التنمية المستدامة للاقتصادات النامية.## الآثار السياساتية: الجنوب العالمي بحاجة إلى إعادة صياغة عقد الاستثمار بشكل استباقي

من منظور الأسواق الناشئة، لا يمثل هذا الاتجاه مجرد مشكلة "نقص رأس المال"، بل يعكس فشلاً منهجياً في النموذج التقليدي للاستثمار الأجنبي المباشر. على مدى العقود الماضية، كان المنطق الأساسي لدى الجنوب العالمي في جذب رأس المال الأجنبي هو "مبادلة السوق بالتكنولوجيا، ومبادلة التكلفة بالطلبيات". لكن في الوقت الذي يعيد فيه الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر تشكيل المشهد الصناعي العالمي بشكل شامل، تتناقص العوائد الحدية لهذا المنطق.

فمن ناحية، يفضّل رأس المال بشكل متزايد القنوات المالية "خفيفة الأصول" ومراكز البيانات "ثقيلة الأصول"، ولا يسهم أيٌّ منهما في خلق فرص عمل محلية بالقدر الكافي لتحويل العائد الديموغرافي إلى استهلاك من قبل الطبقة الوسطى. ومن ناحية أخرى، أدى التفتت الجيواقتصادي إلى خضوع مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر لقيود متزايدة من عمليات مراجعة الأمن السياسي، كما أن حالة عدم اليقين في قواعد الاستثمار الدولي تُجبر الاقتصادات النامية على إعادة تصميم سياساتها الصناعية وآليات فرز الاستثمارات الأجنبية.

ورغم أن تقرير الأونكتاد لم يقدّم وصفة محددة، فإن التوجه السياساتي الضمني واضح: يتعين على الدول أن تنقل سياساتها تجاه الاستثمار الأجنبي المباشر من مجرد حوافز ضريبية وتوفير الأراضي، إلى بناء أنظمة لتدريب المهارات وأنظمة ابتكار وروابط مع سلاسل التوريد المحلية تتوافق مع البنية التحتية الرقمية. فقط عندما تتمكن مشاريع الاستثمار الأجنبي من الاندماج في البنية الاقتصادية المحلية وتحقق آثاراً غير مباشرة مستدامة، يستطيع الجنوب العالمي تجنّب التهميش في موجة الاستثمار الجديدة.

توقعات 2026: بصيص ضوء خافت تحت وطأة عدم اليقين

بالتطلع إلى عام 2026، يرى الأونكتاد أن الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي قد يشهد نمواً معتدلاً، بشرط استمرار تخفيف أوضاع التمويل وزيادة نشاط عمليات الاندماج والاستحواذ عبر الحدود. لكن أنشطة الاستثمار الحقيقي ستظل خاضعة لضغوط التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين في السياسات والتفتت الاقتصادي. وبالنسبة للاقتصادات النامية، فإن هذا يعني على الأرجح بيئة تنافسية أشد صرامة—إذ يتعين عليها ألا تتنافس فقط مع الدول المتقدمة على رأس المال المحدود "العالي الجودة"، بل أن تواجه أيضاً منافسة متجانسة من أسواق ناشئة أخرى في الصناعات الاستراتيجية مثل مراكز البيانات وأشباه الموصلات.

ربما ينتقل مركز ثقل النمو العالمي نحو الشرق والجنوب، لكن تدفقات رأس المال الدولي ليست بالضرورة متزامنة مع ذلك. الأهمية الحقيقية للاستثمار الأجنبي المباشر لا تكمن في الأرقام الدفترية، بل في قدرته على التحول إلى قدرات إنتاجية مستدامة، وفرص عمل لائقة، وتقدم اجتماعي شامل. في عالم يزداد فيه تركيز رأس المال وتتفاقم فيه فجوة المخاطر، لا يحتاج الجنوب العالمي إلى مجرد الانسياق وراء الأرقام المتفائلة، بل إلى خيارات استراتيجية تستند إلى أهدافه التنموية طويلة المدى—أي جذب رأس المال مع التمسك بزمام الاستقلالية التنموية.

تستند هذه المقالة إلى العدد الخمسين من نشرة "مرصد اتجاهات الاستثمار العالمي" الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في يناير 2026، وجميع بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة هنا مقتبسة من هذا التقرير.

ملاحظة مصادر محلية · emergingpost

تضع emergingpost هذه الملاحظة ضمن الأسواق الناشئة / الاستثمار والاستثمار الأجنبي المباشر / السياسات والمخاطر (الأسواق الناشئة / الاستثمار والاستثمار الأجنبي المباشر / السياسات والمخاطر يوضح الزاوية التحريرية المحلية). ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.

روابط المصادر

  1. https://unctad.org/news/global-foreign-investment-14-2025-growth-concentrated-developed-economiesأساسي

مقالات ذات صلة

العودة إلى القناة